إن المدينة النبوية مدينة رسول الله r هي المدينة التي انطلقت منها الدعوة بعد هجرة رسول الله r إليها؛ ولذلك سميت دار الهجرة، وانطلقت منها الدعوة إلى الإسلام وإلى العقيدة الصحيحة التي هي أساس هذا الدين، وكان فيها الأنصار الذين نصـروا رسول الله r في دعوته إلى هذه العقيدة ثم التابعين ثم أتباع التابعين، وكان من هؤلاء الأئمة الذين حملوا العلم ونشروا الإسلام والعقيدة الصحيحة، ولا يزالون يشكلون المثل الأعلى علماً وسلوكاً في المدينة النبوية ( دار الهجرة ) الإمام مالك بن أنس – رحمه الله -، ونظراً لما لهذا الإمام من مكانة ورفعة في المدينة النبوية سمي إمام دار الهجرة، وقد استحق هذا اللقب؛ لأنه كان من العلماء الذين هيأهم للدعوة إلى الإسلام ونشر العلم، وبيان العقيدة الصحيحة، والدعوة إليها، والدفاع عن هذا الدين، وإظهار السنة، وقمع البدعة والرد على أهل البدع والضلال، حتى كان علماً على اتباع السنة وذم البدعة، حتى قال الإمام أحمد: إذا رأيت الرجل يبغض مالكاً فاعلم أنه مبتدع. وقال ابن مهدي: إذا رأيت الحجازي يحب مالكاً فاعلم أنه صاحب سنة، وإذا رأيت أحداً يتناوله فاعلم أنه في خلاف.
أهمية الموضوع ترجع إلى الأمور الآتية:
الدعوة إلى التوحيد وحماية جنابه من الشرك ومن الذرائع الموصلة له من أهم واجبات الداعية إلى الله تعالى، وهي من أولى أولوياته, والاحتساب على المنكرات الظاهرة من الواجبات على الأمة الإسلامية, تأثم بتركه, ويسقط الإثم إذا قام به من يكفي على الوجه المشروع .
والاحتساب إعذار لله تعالى, وتبليغ الحق للمحتسب عليه, وبه كمال الدين, ولولا الله وحده ثم القيام بواجب الاحتساب لعمت الفوضى, وانتشرت الضلالة, واختلط الحابل بالنابل, ولما عُرف الحق من الباطل, ولا السنة ومن البدعة, ولا التوحيد من الشرك.
ومن أجل ذلك قمت بدراسة حديث أبي الهياج الأسدي رضي الله عنه, دراسة عقدية ودعوية, لأنفع نفسي أولاً , ومن يطلع عليه ثانياً, والله أسأل أن يوفقني ويسدد خطاي إنه سميع قريب مجيب الدعوات , وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..
فإن توجيه البحوث والدراسات الأكاديمية والبحثية إلى قضايانا الوطنية والاجتماعية أمر ضروري وهام. وتزداد أهمية ذلك مع ظهور مشكلات ونوازل تتطلب سرعة التفاعل والتعاطي مع هذه القضايا . ووضع الدراسات والمقترحات لعلاج هذه المشكلات قبل أن تتفاقم وتتوسع وتزداد صعوبةُ إيجادِ الحلول لتلك المشكلات.
وقضية الأمن هي قطعاً المفصل في قضايانا الوطنية التي تتطلب التفاعل السريع والدائم معها كلٌ فيما يخصه ، وفيما هو منوط به تجاه ذلك الأمر.
والأمن الفكري بلا أدنى شك فرع رئيس من فروع الأمن المؤثر في المجتمع بشتى طوائفه، إذ بتوفر هذا النوع من الأمن تتوفر بقية مناحي الأمن الأخرى ؛ لأنه المؤثر الأول في السلوك الظاهر عند كل فرد، كما أنه الموجه لأقواله وأعماله . فهو – إذاً – يتطلب مزيداً من العناية.
ومجتمعنا في المملكة العربية السعودية مجتمع سمة الدين ظاهرة فيه ، ومؤثرة في توجهاته ، وهذا بفضل الله تعالى ، ثم بما التزمته قيادة هذا الوطن من تحكيم للشريعة ورجوع إليها في كل شئونها.
ومن هنا فإن استثمار الشريعة الإسلامية – عقائد وأحكام – في معالجة قضايانا الوطنية وخاصة قضية الأمن أمر في غاية الأهمية لأن الشرع – وبكل وضوح – يختصر مسافة الوصول إلى قلوب الناس وعقولهم. ويُحدث قناعات تحكم سلوكيات الناس ، وتقيد تصرفاتهم.
والأمن الفكري يرتبط كثيراً بالمجال الاعتقادي من الشريعة ، لأن منطلقاته الفكرية هي القلوب والعقول. ولأن الخلل في هذا الأمن هو بسبب الشبهات التي تعرض على القلوب والعقول فتغير الأفكار وبعد ذلك توجه السلوك .